غداً – الخميس – سـ تُكمل والدتي الغالية عامها الثامن والأربعين .. مساهمة بسيطة مني .. رسالة مني إلى أمي .. علّها تُوفي جزءاً من فضلها عليّ !
أمي الغالية .. أكتبُ إليكِ سطوري هذه و أنا أعلم أنها لن توفي ولو مقدار ذرة من فضلك علي .. أكتب إليكِ وأنا أعلم أنكِ لن تصدقينني .. لن تصدقينني لـ أنني مُجحف في حقك كثيراً .. كم أنا مُقصرٌ معك يا حبيبتي ..
أمي الغالية .. لطالما كنتِ تلك الشمعة التي أضاءت دربي .. النور الذي أهتدي بهِ في طريقي حينما أسيرُ هائماً .. اليوم فقط أريد أن يعرف العالم أجمع .. أن لي أماً عظيمة .. تستحق مني كل الاحترام و التقدير .. ولن أوفي حقها مهما فعلت !
أمي الغالية .. دائماً كنتِ و مازلتِ تعتبرينني أغلى ما تملكين .. أعلم ذلك جيداً .. جِئتُك بعد معاناة طويلة لك .. جاء اليوم الذي أخبركِ فيه بأنكِ أيضاً بالنسبة لي .. أغلى ما أملك .. اسمحي لي يا أُمّاه .. أن أذكر للجميع نزراً يسيراً من مواقفكِ معي .. ليعلم الجميع أي أمٌّ عظيمةً أملك .. لن أذكر كيف حملتِ بي .. كيف سهرتِ الليالي من أجلي .. لن أذكر ترددك على الأطباء لـ مدة خمس سنوات لمجرد أملٍ بسيط في إنجاب طفل بعد عُقم .. و هذا الطفل لم يكن سواي .. كلها تفاصيل قد يعدُّها البعض مكررة .. لكنّي سـ أذكر أشياءً فريدةً من نوعها .. لـ أمي الغالية !
أُمي الغالية .. قبل أن أبلغ السادسةَ من عُمري أنهككِ المرض .. واضطررتي لـ دخول غرفة العمليات .. ما زلتُ أذكرُ تلك الليلةَ جيداً .. بعد خروجكِ من تلك العملية بـ أسبوعين كان يومي الأول في المدرسة الابتدائية .. كنتِ راقدة في سرير مرضك .. أيقظتني جدتي – رحمها الله – لـ تُعد لي الفطور و تهيئني لـ يومي الدراسي الأول .. لكنّي رفضت .. قلت لها لا أُريد سوى أمي .. لم أكن سوى طفل صغير .. أعذريني يا أمي .. لقد أجبرتُك على القيام .. وقد فعلتِ ذلك !
أمي الغالية .. حينما كنتُ طالباً في المرحلة الابتدائية كنتِ خيرَ مؤسس لي .. تعلمتُ على يدِك القراءة و الكتابة .. الحساب و العلوم .. وغيرها الكثير .. دائماً النبتة التي لا تُغرس متأصلة لا تنمو مستقيمة .. وأنتِ قُمتي بـ غرس العلم بداخلي كالنبتة منذُ نعومة أظافري .. رغم أن ظروف عملك الحالية تمنعك من متابعتي دراسياً .. إلا أن كلانا يعلم أنكِ صاحبة الفضل فيما أنا عليه ولله الحمد من تفوق .. و ذلك لأنني قوّمت على أساسِ سليم !
أمي الغالية .. حينما كنتُ طالباً في الصف الرابع الابتدائي .. أجبرتنا ظروف الغربة و الأقدار على فراق والدي لمدة تناهز الستة أشهر .. كنتِ فيها الأم و الأب .. كل شيء بالنسبة لي .. من يوقظني صباحاً هي أنتِ .. من يُطعمني هي أنتِ .. من يوصلني إلى مدرستي هي أنتِ .. من يأتِ بي من مدرستي هي أنتِ .. تحملتِ كلَّ ذلك في غياب والدي ..
أمي الغالية .. حينما استقدمنا والدي للسفر معه .. كنتِ بين نارين .. نار فراق أمك – رحمها الله وأسكنها فسيح جناته – .. ونار تفريق صغارك عن أبيهم و البقاء في بلدنا بجوار أمك .. كنتِ بين خيارين أحلاهما مر .. واخترتِ الآخر وأنتِ تعلمين علم اليقين أن أمك أيضاً بحاجة إليكِ .. لكنكِ آثرتِ تنشئة صغاركِ بين أبيهم .. شكراً يا أمي ♥ !
أمي الغالية .. قبل دخولي للصف الخامس الابتدائي بأقل من أربعٍ و عشرين ساعة .. كُسرت قدمك .. لكنك أعدتِ ذلك الموقف السابق .. واستيقظتي صباحاً معي .. لأول يوم في الدراسة .. بل و ذهبتِ مع أختي لـ مدرستها .. رغم تلك الجبيرة التي تحيط بقدمك .. لا لشيءٍ سوى أنها كانت طالبة في الصف الأول الابتدائي .. نفس الموقف تكرر معي و مع أختي !
أمي الغالية .. بعد زواجكِ من أبي توقفتِ عن العمل لفترة طويلة .. لكن عندما أتينا إلى هُنا وجدتِ فرصةً لمزاولة العمل مرةً أخرى .. رغم ذلك لم ألحظ أبداً أن عملكِ قد فرق بيننا أبداً أو باعد أي مسافات .. لطالما كنتِ و مازلتِ قريبة مني .. لا أُذيع سراً حينما أقولُ أنني كنت و مازلت حينما أشعر بالبحث عن الآمان .. لا أجده سوى في البكاء بين أحضان أُمي !
أمي الغالية .. لطالما كنتِ ستراً وغطاءً علي .. تحميني من بطش والدي بي .. دائماً ماكنتِ حلقة الوصل بيني وبينه .. لا أعلم لم دائماً ألجأ إليك في طلباتي منه .. لكنكِ دائماً تنجحين في استخلاص ما أريده من والدي باقتدار .. كلما كان يعاقبني كنتِ تسعين جاهدة معه .. أملاً في رفع العقوبة !
أمي الغالية .. منذُ كنتُ طالباً في الصف الـ .. ، عفواً أقصد منذُ كنتُ وليداً .. وأنتِ كنتِ و مازلتِ أول من يستيقظ في منزلنا هذا .. لا أذكر يوماً أنكِ قطعتِ عادتك تلك .. لا يوقظني أحدٌ سواك .. لا أتناول طعامي إلا من يدكِ .. حتى اليوم .. سبعة عشر عاماً لا يوقظني أحد إلا أنتِ .. حتى وإن تعارضت مواعيدُ نومي مع عملكِ لا يوقظني عن طريق الهاتف إلا أنتِ .. و إن تعارضت مواعيدُ نومكِ مع أوقات أكلي و استيقاظي .. لا زلتِ أنتِ من يعتني بهذه الأشياء !
أمي الغالية .. في العام الماضي عاد المرض لـ يفتكِ بجسدكِ مرة أخرى .. لا تعلمين كم كنت أتألم وأنا أعلم أن هناك من يقطع في بطنك و ينهش في أحشائك .. لا أذيع سراً حينما أقول أنني كنتُ أبكي .. أبكي و لكن ليس أمامكِ .. لا لشيء سوى أنني أخشى عليك من تأنيب الضمير .. لكي لا تعتقدين أنكِ مرة قد أجبرتِ دمعتي على النزول !
أمي الغالية .. رغم مالديكِ من مشاغل و أبناء .. إلا أنني لم أرى أعظم منكِ و من إخوانك براً بأمهم – رحمها الله – .. قبل عامين حينما مرضت جدتي – رحمها الله – و كانت بأمس الحاجة إليكِ .. سافرتِ لها بعد أقل من يومين من مرضها .. جلستِ معها و توليتي شؤونها فترة .. و حينما استعادت شيئاً من عافيتها .. سارعتِ إلى أبناءك .. إلينا نحن .. لأنكِ تعلمين أننا في أمس الحاجة إليكِ !
أمي الغالية .. في العام الماضي تكرر نفس الموقف .. مرضتِ جدتي .. و الجميع أخفى عليكِ لأن الكل كان يعلم أن امتحاناتي المصيرية كانت على الأبواب .. وحينما علمتِ لم تفعلي شيئاً .. أعلمك أنكِ كنتِ مجبرةً في موقفك هذا .. لأنكِ تعلمين جيداً كم كنتُ أحتاجُك .. آسف يا أمي لأنني حرمتكِ من أمك .. آسف يا أمي !
أمي الغالية .. في الصيف الماضي .. حينما أجبرتِ على إجراء عملية جديدة بسبب مرضكِ .. كنتِ تعتقدين أنني شخص لا مبالي .. حينما تركت المنزل قبل عمليتك بيومين .. و ذهبت للإقامة مع ابن خالي .. الآن أتى فقط الوقت الذي أخبركِ فيه بالحقيقة .. تركتُ المنزل لأني لم أرغب أن ترينَ دموعي تنهمر خوفاً عليكي .. و قلبي يعتصر ألماً لتألمكِ .. أعتقد أنكِ تعرفين هذا جيداً .. حاولت عابثاً أن أفهمك الوضع .. فقد كنتُ أول من كان بجانبك بعد استيقاظك من المخدر .. و طوال أيام مرضك بعد العملية كنتُ أعاني الأمرين للوصول للمستشفى وحيداً .. لأنني كنتُ أريد التكفير عن شيءٍ مما فعلت .. و لن أستطيع !
أمي الغالية .. كنتِ حتى العام المنصرم تستغلين فترة الإجازة الصيفية للجلوس بين قدمي أمك – رحمها الله – .. رغم أنكِ كنتِ تستحقين راحة واستجمام بعد تعب السنة كاملة .. حتى الصيف الماضي بعد عمليتكِ .. لم تعودي لـ منزلنا .. بل ذهبتِ فوراً إلى جدتي وأقمتِ معها .. لطالما كنتِ تجعلين بركِ بأمك فوق كل شيء .. رحمها الله .. وجازاكِ عنها و ” أخوالي ” خير الجزاء !
أمي الغالية .. أعلم أنكِ اتخذتِ قراراً في قرارة نفسك أنكِ سـ ترافقينني العام القادم في رحلتي الدراسية .. أو لنقل عودتي إلى بلدنا الأم .. وستتركين أبي وأختي هاهنا .. ستتحملين ذنب تشتت أسرتنا من أجلي .. من أجلي أنا فقط !
أمي الغالية .. أعلمُ أنكِ قد عانيتِ الأمرين من أجلي أعواماً كثيرةً مضت .. لكن أعدك وأعاهدك يا أماه .. أنكِ بإذن الله لن تشقي معي أبداً بعد هذا العام .. سأكون مطيعاً لكِ .. ولن أتجاوز موطئ قدميكِ أبداً .. أعاهدكُ يا غالية !
أمي الغالية .. رغم كل ما فعلتيه معي و مع غيري .. لكنكِ ترهقينني إرهاقاً عظيماً مضاعفاً .. ترهقينني لأنني لن أستطيع أن أرد لكِ جزءاً من فضلك عليّ .. ترهقينني لأني لن أجد زوجة تعتني بي كما فعلت أمي العظيمة .. و ترهقينني لأنّي لا أعتقد أن الله سـ يمنحني بنتاً بارةً بي كما فعلتِ بأهلكِ !
أمي الغالية .. كل عام وأنتِ بخير .. أمي الغالية .. أحبكِ ♥ !
إقرأ المزيد »